نجم الدين الكبرى
9
فوائح الجمال وفواتح الجلال
تمهيد للصوفية الفرس مكانتهم المتميزة في تاريخ التصوف عند المسلمين ، فقد شاركوا الصوفية العرب في كتابة التاريخ الصوفي ، بحيث يستحيل الفصل بين الفريقين ؛ خاصة أن كليهما شرب من نبع واحد هو الوحي المحمدي ، وانتسب لثقافة بعينها هي الثقافة العربية الإسلامية . ومع ذلك ، فللصوفية من ذوى الأصول الفارسية مذاق خاص . فهم وإن وفدوا على الجانب العربي من العالم الإسلامي ، أو استوطنوه - والكلام هنا عن القرون السابقة ، قبل رسم تلك الحدود السياسية بين بلدان المسلمين - إلا أنهم اختصوا دوما بروح مميّز عن روح الصوفية العرب . . ففي شعر الصوفية الفرس نرى تلك الروح المتأجّجة في مقابل الروح الرصينة لدى شعراء الصوفية العرب ؛ ولنقارن بين شعر جلال الدين الرومي أعظم شعراء الصوفية الفرس ، وشعر عمر ابن الفارض أشهر شعراء الصوفية العرب ، لنرى أشعار ابن الفارض الموشاة بفنون البلاغة ، المزينة بجرس الجناس التام والناقص ، الرافلة في ألوان التشبيه والاستعارة . . بينما يتدفّق شعر الرومي عارما ، دافئا ، متألما ، ناحتا لفظه وجماليات تعبيره من حرارة القلب والتهاب الروح . ولننظر في شعر العطار مقارنا بأشعار ابن عربى ، لنرى خيال العطار المحلّق ، في مقابل رسوخ ابن عربى وصرامته . وفي النثر الصوفي ، نقارن بين كتابات شهاب الدين السهروردي الإشراقى - الفارسي الأصل - بكتابات الصوفي العربي الكبير محمد عبد الحق بن سبعين ؛ فنرى السهروردي يكتب بيد ساحرة فيأتي في قصصه الصوفي بصور خيالية هائلة ، ويرمز للمعنى البعيد باللفظ العجيب . . بينما يوجز ابن سبعين ويحدّ العبارة ويقدّ كلامه من الصخر المتين . وفي طبيعة الحياة الروحية ، نرى الصوفية الفرس أكثر اشتعالا من نظرائهم العرب ، وأشد احتراقا . . حتى إنني بدأت في عمل كتاب عن قتلى الصوفية